صبحي الصالح
77
مباحث في علوم القرآن
وقد تمّ لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريبا ، لأن أمره زيدا بجمعه كان بعد واقعة اليمامة ، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر . وحين نتذكّر كيف جمع هذا القرآن من الرّقاع والعسب واللّخاف والأقتاب والجلود في هذه المدة القصيرة ، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم للّه ، ولا يسعنا إلا أن نقول مع عليّ بن أبي طالب : « رحم اللّه أبا بكر ، هو أول من جمع كتاب اللّه بين اللوحين » « 1 » . أمّا عمر فقد سجّل له التاريخ أنّه صاحب الفكرة ، كما سجّل لزيد أنّه وضعها موضع التنفيذ . وختام النص الذي رواه البخاري عن زيد ينبئنا بأن الصحف التي جمع فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ، ثم صارت إلى عمر وظلّت عنده حتى توفّاه اللّه ، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر لا إلى الخليفة الجديد عثمان . وقد أثارت « دائرة المعارف الإسلامية » شبهة حول هذا الموضوع ، فتساءلت : ألم يكن عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده ؟ « 2 » ونجيب : بل حفصة أولى بذلك وأجدر ، لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف مودعة لديها ، وهي زوجة رسول اللّه أم المؤمنين ، فضلا على حفظها القرآن كله في صدرها وتمكّنها من القراءة والكتابة ، وكان عمر قد جعل أمر الخلافة شورى من بعده ، فكيف يسلم إلى عثمان هاتيك الصحف قبل أن يفكّر أحد في اختياره للخلافة ؟ ويبدو أن تسمية القرآن « بالمصحف » نشأت على عهد أبي بكر ، فقد أخرج ابن أشتة « 3 » في كتاب « المصاحف » من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال
--> ( 1 ) البرهان 1 / 239 ؛ المصاحف لابن أبي داود ص 5 . ( 2 ) انظر encyclopedie de l'islam . ll , p . 1130 ( 3 ) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أشتة ، ويكنى أبا بكر . نحوي نحوي محقق ثقة ، اشتغل كثيرا بعلوم القرآن . وكتابه ( المحبر ) يدل على سعة علمه . توفي سنة 360 ( انظر غاية النهاية في طبقات القراء 2 / 184 ) .